لماذا يشترون نفطنا ؟

1 المقدمة

أدت الاضطرابات التي تجتاح العالم العربي حالياً إلى ارتفاع أسعار النفط لمستويات لم يصلها منذ العام 2008، و أبرزت المسألة الشائكة المتمثلة في الإعتماد العالمي على النفط العربي على صفحات الصحف وفي مقدمات نشرات الأخبار في كافة أرجاء العالم. و قد أدى هذا الهجوم الإعلامي المصحوب بتحذيرات مستمرة من قبل الخبراء عن حدوث نقص وشيك في مصادر الطاقة والذي يكون عادة مصحوباً بادعاءات يذكيها الكثير من المتوجسين المدافعين عن نظرية “ذروة النفط” – والذين يروجون لفكرة أن انتاج العالم من النفط قد وصل القمة (الذروة) وبأن نفاذه السريع قد بدأ – إلى إقناع الجمهور العالمي بشكل لا لبس فيه بأن العالم العربي هو مصدر للطاقة لا غنى عنه، و بدون هذا المصدر سيكون مصير الحضارة الإنسانية التوقف ثم الانهيار. هذه التحذيرات والادعاءات كثيراً ما استخدمت ومازالت تستخدم كذريعة لتبرير استمرار التدخل السياسي والعسكري في شؤون العالم العربي، واستعملت مراراً وتكراراً من قبل قادة الديمقراطيات الغربية كسبب للدفاع عن دعمهم للحكومات الاستبدادية والسلطوية العربية لضمان استمرارها في الحكم. ومع انه يبدو على السطح بأن هذه المواقف الغربية قد تغيرت بسبب الثورات العربية عام 2011، إلا أنه في واقع الأمر، ما زالت المواقف الغربية ثابتة ولكنها أصبحت مغلفة بالسرية والحذر. وهنا لابد من التساؤل: هل العالم هشٌ حقاً لهذا الحد؟ وهل تعتمد الحضارة الإنسانية على منطقة واحدة غير مستقرة من العالم لتأمين إمدادات الطاقة العالمية؟

للإجابة على الأسئلة المطروحة أعلاه، يتبع هذا المقال نهجاً واضحاً معتمداً على أساس التدقيق في الأرقام والمعلومات، عوضاً عن قبول الإدعاءات غير المثبتة والتي لا أساس لها من الصحة غالبا. و لتحقيق هذا الغرض نستعرض أدناه أربع محاور رئيسية  تساعدنا على رسم خارطة طريق للتفكير والتي بدورها ستقود إلى استنتاجات واضحة وتؤهلنا للحصول على رؤية واضحة ورأي مضطلع يمكننا من التفريق بين الحقائق والخيال عند قراءة وتفسير المعلومات حول هذا الموضوع.

  1. دراسة كافة أنواع الوقود الاحفوري، أي النفط والغاز الطبيعي والفحم، والتي تشكل الغالبية العظمى من احتياجات الطاقة العالمية. هذا يعني انه لا يجب علينا الاكتفاء بدراسة بيانات النفط فقط، بل توسيع ذلك ليشمل بيانات الغاز الطبيعي والفحم، حيث أن هذه الأنواع الثلاثة من الوقود قابلة للتحول من شكل إلى آخر من الناحية التقنية، وبناء عليه، لابد من دراستها مجتمعة.
  2. الاعتراف بالمصادر غير التقليدية من الوقود الاحفوري، والتي تستمر عملية إعادة تصنيفها تدريجياً وبمرور الوقت كمصادر تقليدية بسبب التقدم التكنولوجي، مما يجعلها مجدية اقتصادياً. وتشمل مصادر الوقود الاحفوري غير التقليدية النفط الثقيل، ورمال القطران، و الصخر الزيتي, والغاز الحجري، الغاز المحصور، الميثان في الطبقات الفحمية, (coalbed methane) الغاز المضغوط بواسطة عوامل جيولوجية  (geopressurised)و الغاز المضغوط بواسطة السوائل (hydropressurised gas) وهيدرات الميثان والجفت.
  3. الفهم الواضح لمصطلحات الوقود الاحفوري الأساسية، والقدرة على التمييز بين أنواع الوقود ، و التمييز بين مصطلحي “الاحتياطيات” و”الموارد”.
  4. إجراء تقييم دقيق ومحايد لاحصاءات الوقود الاحفوري في العالم العربي ومساهمته  في خريطة الطاقة العالمية. هذا التقييم يجب أن يعتمد على مصادر بيانات موثوقة وشاملة، بيانات مقومة ليس على أساس الدقة والموثوقية فحسب بل على أساس الموضوعية ومعرفة دوافع مقدمي البيانات أيضا.

2 ما الذي يجب أن يعلمه الجميع عن الطاقة العالمية؟

كثيراُ ما نسمع أن العالم العربي هو موطنٌ لنحو ثلثي احتياطيات النفط في العالم. يتم تكرار هذه الجملة إلى ما لا نهاية حتى أنها تبدو كتسجيل يعاد تلقائياً. لكن، ما مدى دقة هذه الجملة وغيرها من الإدعاءات المتعلقة بالنفط والغاز الطبيعي في العالم العربي؟ هناك طريقة واحدة فقط تؤهلنا لنميز بين الإدعاءات والحقائق، ألا وهي قراءة الحقائق والأرقام أدناه. هذه الأرقام قد تبدو “أكاديمية” للبعض، ولكن بدونها لن نتمكن من معرفة الإجابات الصحيحة. لتبسيط الموضوع، نعرض الحقائق والأرقام بطريقة موجزة ومنظمة حيث تقدم المعلومات عن النفط والغاز الطبيعي والفحم من خلال أربعة مناظير (الإحتياطيات والموارد، والانتاج، والاستهلاك، والتجارة). عند دراسة أي منظور يتم تقديم المعلومات من وجهة نظر عالمية أولاً، ومن ثم يتم تسليط الضوء على العالم العربي لقياس مدى مساهمته مقارنة ببقية العالم.

يجب استخدام وحدة قياس موحدة لتسهيل المقارنة المباشرة بين النفط والغاز الطبيعي والفحم. في هذا المقال سنستخدم برميل النفط المكافئ (BOE) كوحدة لقياس الوقود الاحفوري. هذه الوحدة مستخدمة على نطاق واسع في قطاع الطاقة، لتقديم البيانات المالية باعتبارها وسيلة لجمع احتياطيات وانتاج النفط والغاز الطبيعي والفحم تحت مقياس واحد يستند إلى كمية الطاقة التقريبية الناتجة من حرق برميل واحد من النفط الخام.

2.1 الاحتياجات و الموارد

لقياس كميات النفط والغاز الطبيعي والفحم عموما، لابد من التمييز بوضوح بين مصطلحين غاية في الأهمية، وهما “الاحتياطيات” و”الموارد”. حيث يتم الخلط غالباً في الإعلام بينهما، كما يظهر الكثير من الارباك بشأن ماهية معنى كل مصطلح. ببساطة “الموارد” هو مصطلح شامل يتضمن الاحتياطيات، أما “الإحتياطيات” فتشكل جزءاً من إجمالي الموارد.

كما هو حال السلع الأساسية الأخرى، فإن موارد الوقود الاحفوري محدودة. هذه الكمية المحدودة تسمى الكميات الأصلية في المكان. “الانتاج التراكمي” هو كمية هذه الموارد التي استخرجت حتى وقت معين. ما تبقى من الكميات هو إما قابلة للاستخراج أو  غير قابلة للاستخراج. والموارد القابلة للاستخراج المتبقية هي إما مكتشفة أو غير مكتشفة. والموارد المكتشفة هي إما تجارية أو غير تجارية. والموارد التجارية المكتشفة هي ما يسمي الاحتياطيات والتي تعرف على أنها كميات الوقود الأحفوري المكتشفة، والمتبقية في الأرض بانتظار الانتاج، و القابلة للاستخراج بشكل تجاري.

بدورها تقسم الاحتياطيات إلى 3 أنواع مؤكدة ومحتملة وممكنة، وفقاً لمستوى عدم اليقين المرتبط باحتمال استخراجها في الوقت الحالي،في ضوء الجدوى الاقتصادية أو التكنولوجيا المتوفرة حاليا. هذا يعني بوضوح انه يمكن زيادة كمية الاحتياطيات بدون اكتشافات جديدة بل فقط بحصول تقدم تكنولوجي وكذلك يمكن أن يؤدي تغيير الظروف الاقتصادية لزيادة أو نقصان الإحتياطيات.

باختصار، تدل الأرقام على أن العالم يزخر بموارد واحتياطيات النفط والغاز الطبيعي والفحم. هذه الكميات مبينة في الجدول رقم(1) أدناه، والذي يظهر موارد واحتياطيات الوقود الأحفوري الإجمالية، آخذا  بعين الاعتبار المخزونات التقليدية وغير التقليدية والتي لا يمكن استثناؤها بعد الآن. لقد تم تجاهل المخزونات غير التقليدية في الماضي، إلا أن هناك توجها مستمرا لإعادة تصنيف الموارد غير التقليدية على أنها احتياطيات تقليدية، ما يؤدي إلى أن يصبح انتاجها ذا مساهمة اساسية في اطفاء ظمئ العالم للوقود الأحفوري. بخلاف المعتقد السائد، يظهر الجدول رقم (1) أن النفط ليس الوقود الأحفوري المسيطر، بل إنه الأخير عند مقارنته بأنواع الوقود الأحفوري الأخرى.


الجدول رقم 1 : تحليل احتياطيات وموارد الوقود الاحفوري العالمية بمليارات البراميل أو (2009) boe

نفط غاز طبيعي فحم المجموع
الانتاج التراكمي العالم 1161.0 616.3 1124.1 2901.4
النسبة (%) 40.0 21.2 38.7 100
الاحتياطيات المتبقية العالم 1794.5 2695.8 2926.8 7417.1
النسبة (%) 24.2 36.3 39.5 100
الموارد المتبقية العالم 7136.7 14692.1 23694.8 45523.6
النسبة (%) 15.7 32.3 52.0 100
الكميات المتبقية في المكان العالم 15839.5 554525.0 86324.8 656689.3
النسبة (%) 2.4 84.4 13.1 100
الكميات الأصلية في المكان العالم 17000.5 555141.3 87448.9 659590.7
النسبة (%) 2.6 84.2 13.3 100
المصدر: Basel N. Asmar, Fossil Fuels in the Arab World: Facts and Fiction
ملاحظة: قد لا تتطابق الأرقام بسبب التقريب

 

حتى لو قمنا بحصر تركيزنا على الاحتياطيات التقليدية فقط، سيتفاجئ الكثيرون بأن النفط ليس الوقود الاحفوري المهيمن عالمياً. بل أن الوقود الاحفوري المهيمن فعلياً في العالم هو الفحم والذي يساهم بما يزيد على 55.5 % من مجموع احتياطي الوقود الاحفوري  و يساهم كل من النفط والغاز الطبيعي بنسبة 22.2 % فقط لكل منهما.

و على مستوى الدول، نلاحظ أن الدول الوازنة في مجال الطاقة هي في الواقع القوى السياسية و العسكرية الأساسية في العالم: الولايات المتحدة و روسيا و الصين بنسب 17.2 % و 17.6 % و 7.6 % على التوالي من احتياطيات الوقود التقليدي.

قد تتساءلون الآن، و ماذا عن السعودية؟ تلك الدولة التي تُصور على أنها عملاق الطاقة العالمي؟ الحقيقة غير المتوقعة هي أنها تحتل المرتبة الخامسة عالمياً بنسبة تصل بالكاد إلى 6% من احتياطي الوقود الاحفوري، حتى انها ليست موطناً لأكبر الاحتياطيات في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) أو الشرق الأوسط، بل أنها تلي ايران التي تبلغ احتياطياتها 6.2% ، أما في حال التعاطي مع الدول الإثنين والعشرين التي تشكل العالم العربي على أنها وحدة واحدة، فإن هذه الوحدة ستتبوء المركز الأول عالمياً في احتياطيات الوقود الاحفوري بنسبة تبلغ 19.5 % البعيدة كل البعد عن نسبة الثلثين (67%) التي يشار إليها غالباً. فيما تضع هذه النسب مجتمعة العالم العربي كلاعب أساسي على مستوى الطاقة، إلا أنه فيما يخص احتياطي الوقود الاحفوري، فإن العالم العربي يعد واحدا من ثلاثة لاعبين متقاربين في القوة. من الواضح هنا أن قوة العالم العربي تتقلص بشكل كبير، إذ إن هيمنته تنطبق في الواقع على احتياطي النفط التقليدي فقط. حيث ان حصته تبلغ 57.7 %. ما يثير الاهتمام هو أن حصة العالم العربي من موارد واحتياطيات الوقود الاحفوري العالمي تقل عند إضافة المخزون غير التقليدي، وعند تفحص الموارد المتجددة بالإضافة للاحتياطيات. يعرض الجدول (2) أرقاماً للملاحظة.


الجدول رقم 2 : تحليل احتياطيات وموارد الوقود الاحفوري للعالم العربي بمليارات البراميل أو (2009) boe

نفط غاز طبيعي فحم المجموع
الانتاج التراكمي العالم العربي 307.1 40.8 0.2 348.1
حصة العالم العربي (%) 26.5 6.6 0.1> 12.0
الاحتياطيات المتبقية العالم العربي 675.9 439.7 0.3 1115.9
حصة العالم العربي (%) 37.7 16.3 0.1> 15.0
الموارد المتبقية العالم العربي 2105.3 1479.8 5.6 3590.7
حصة العالم العربي (%) 29.5 10.1 0.1> 7.9
الكميات المتبقية في المكان العالم العربي 3192.7 36982.4 53.0 40228.1
حصة العالم العربي (%) 20.2 6.7 0.1> 6.1
الكميات الأصلية في المكان العالم العربي 3499.8 37023.2 53.2 40576.2
حصة العالم العربي (%) 20.6 6.7 0.1> 6.2
المصدر: Basel N. Asmar, Fossil Fuels in the Arab World: Facts and Fiction
ملاحظة: قد لا تتطابق الأرقام بسبب التقريب

2.2 الانتاج

بالرغم ان النفط يصنف بالمرتبةالاخيرة في موارد الوقود الأحفوري العالمي إلا أنه يساهم بأعلى نسبة انتاج تصل إلى 41.0 %. أما الفحم الذي فقد موقعه المهيمن في الخمسينات، فما زال مساهما اساسيا بنسبة 31.3 % من اجمالي الانتاج حالياً. بيد أن انتاج الغاز الطبيعي يتنامى بسرعة ليصل إلى نسبة 27.7 % من اجمالي الإنتاج.

بما أن النفط مازال يوفر اعلى نسبة من احتياجات الطاقة العالمية و مع توقع استمرار نموه، هناك اتجاه مكثف لاستخدام تقنيات متقدمة لتوسيع انتاج النفط. هذا يشمل تحسين قدرة الاستخلاص enhanced oil recovery لاستخراج المزيد من النفط من الاحتياطيات المعروفة ، وتطوير مخزونات النفط غير التقليدية، وتوسيع انتاج الغاز الطبيعي المسال. بالإضافة لذلك يتم اجراء بحوث مطولة لتطويرعمليات تحويل الفحم الصلب لسائل(CTL)  والغاز لسائل(GTL)  تجارياً كبدائل عن الانتاج المتناقص للنفط التقليدي. يجدر التذكير أيضا ان معظم الوقود الحيوي المنتج هو على شكل وقود سائل مصمم ليخلط مع النفط لاطالة عمره.

على مستوى الدول،  فان الدول الثلاثة الوازنة على مستوى الطاقة: الولايات المتحدة وروسيا و الصين هي الاعلى انتاجا بنسب 14.0 %، 12.2 %، 14.9 % على التوالي من اجمالي الانتاج .

على الصعيد العربي، تتصدر السعودية انتاج الوقود الاحفوري بنسبة 5.9% لتحتل المرتبة الرابعة عالميا. ولكن، اذا تم التعامل مع العالم العربي كوحدة واحدة، فان هذه الوحدة ستتصدر الانتاج الإجمالي العالمي بنسبة 16.9 %. ويشير هذا إلى أن العالم العربي هو فقط أحد المنتجين الأربعة الأساسيين المتقاربين بالحجم . وعليه، فإن الهيمنة المنسوبة إليه غير صحيحة.

2.3 الاستهلاك

كما هو متوقع، فإن استهلاك النفط والفحم والغاز الطبيعي عالمياً يعكس صورة انتاج هذه المواد، والتي تصل إلى 41.5 %، 27.6%، 30.9% على التوالي. تشير هذه الأرقام إلى اعتماد العالم حاليا على النفط للحصول على أعلى قدر من احتياجاته من الطاقة بدون أي إشارة إلى نفاذه، الأمر الذي لا يتوقع تغيره قريباً.

مرة أخرى على صعيد ادول، فإن الدول الثلاث الوازنة : الولايات المتحدة وروسيا والصين تتصدر بنسب استهلاك 20.0 % و 6.7 % و 16.6 % على التوالي.

على الصعيد العربي، فإن السعودية هي أعلى المستهلكين، بنسبة تقل عن 1.9 % لتحتل المرتبة العاشرة عالمياً بعد إيران. في الواقع، إن العالم العربي مجتمعاً يستهلك ما نسبته 5.6 % من الوقود الأحفوري. لذا إذا تم احتسابه كوحدة واحدة، فإنه يحتل المرتبة الرابعة عالميا من حيث الاستهلاكً تليه الهند في المرتبة الخامسة. هذا ما يفسر إعطاء العالم العربي موقعاً أكبر من حجمه في أسواق الطاقة. إن استهلاكه للوقود الاحفوري هو أقل بكثير من المستهلكين الاثنين الأساسيين، وبالتالي فإنه يمتلك فائضاً كبيراً من انتاج الوقود الاحفوري يزود به اسواق الطاقة العالمية.

2.4 صافي الواردات والصادرات

يعد النفط، وبسبب العوائق اللوجستية والتقنية، الوقود الاحفوري الأكثر اتجاراً بنسبة 66.9 % و 67.8 % من التصدير والاستيراد العالمي على التوالي. تجدر الملاحظة أن الفرق البسيط يعزى إلى التموين و التخزين. إن الاتجار بالغاز الطبيعي يحتل المرتبة الثانية بنسبة 21.2 % و 21.0 % فقط من صافي التصدير والاستيراد، بينما يصل الفحم بالكاد إلى نسبة 11.9 % و 11.2 % من صافي الاستيراد والتصدير. تؤكد هذه الأرقام اعتماد العالم على النفط موضحة بأنه مازال الشكل المهيمن للطاقة المتجر بها في الأسواق العالمية بخلاف حال الموارد والاحتياطيات، والإنتاج والاستهلاك، حيث أن نسب الأنواع الثلاثة من الوقود الاحفوري في هذه تتوزع متوازنة.

من الضروري احتساب صافي الوقود الاحفوري لبلد ما  باعتماد الارقام الشاملة لكافة انواع الوقود الاحفوري بدلا من احتساب الارقام لكل نوع على حدى. للتوضيح، لنأخذ الإمارات العربية المتحدة كمثال فهي بلدٍ مصدرٍ للنفط، وبنفس الوقت مستورد للغاز الطبيعي. إن جمع الصادرات فقط سيؤدي للمبالغة بصافي التصدير، كما أن جمع الواردات سيضعها بمكان خاطئ كمستورد صاف. في الواقع، إن هذا البلد هو مصدر للوقود الاحفوري بنسبة صادرات صافية أقل إذا أخذنا بعين الاعتبار استيراد الغاز الطبيعي. لذا فإن صافي قيمة الصادرات والواردات للوقود الاحفوري تحتسب على أساس الفرق بين مجموع انتاج واستهلاك الوقود الأحفوري مجتمعين عوضاً عن تجميع صافي التصدير أو صافي الاستيراد لأنواع الوقود الأحفوري الثلاثة.

على صعيد الدول، تختلف صورة الاحتياطيات أوالانتاج أوالاستهلاك، إذ ان الدول الثلاث الوازنة تتخذ مواقع مختلفة. الولايات المتحدة والصين هي في طليعة الدول المستوردة بنسبة 19.5 % و 5.8 % على التوالي، وتصنفان الأولى والرابعة عالمياً، حيث أن اليابان (12.6%) وألمانيا (6.7 %) تصنفان قبل الصين. من جهة أخرى، فإن روسيا تتصدر الدول المصدرة بنسبة 17.3 % من صافي التصدير العالمي.

تتصدر السعودية الدول العربية المصدرة للوقود الاحفوري بنسبة 13.1 % من صافي التصدير العالمي في المرتبة الثانية بعد روسيا، وتنتج أكثر من ثلث نصيب العالم العربي الذي تبلغ نسبته مجتمعة 36.6 % من صافي الصادرات، علماً بان حصة العالم العربي من صافي استيراد الوقود الأحفوري تبلغ صفراً. تشير هذه الأرقام التجارية إلى القوة التي يتمتع بها العالم العربي مما يسمح له بالبقاء كلاعب أساسي في أسواق الطاقة، حيث أن حصته تفوق ضعف حصة المصدر الثاني أي روسيا. بالرغم من هذه القوة الظاهرة، فإن قدرة العالم العربي على التأثير في قوى العالم الأساسية لا تزال محدودة، إذ إن شركاءها التجاريين ليسوا بالضرورة الدول الأقوى.

3 كشف الخرافات

سيتم الآن توسيع النقاش لكشف حقيقة بعض الخرافات المقبولة بشكل كبير، والتي يتم تناقلها بشكل متكرر، بعد أن تم وضع الحقائق أعلاه باستخدام اطار الأرقام الكمية للوقود الاحفوري على الصعيدين العالمي والعربي

3.1 الأسطورة الأولى: النفط في نفاذ، أو كما يدعي بعض المدافعين عن نظرية الوصول للذروة النفطية، الوقود الاحفوري كله في نفاذ

لم ينتهي العصر الحجري بسبب نفاذ الحجارة ولن ينتهي العصرالهيدروكربوني لنفاذ الهيدروكربونات. ان الجدل حول الذروة النفطية (أي نفاذ النفط) مبالغ به. وكما يظهر الجدول رقم (1)، فإن العالم يزخر بالوقود الاحفوري. إن العمليات الحسابية البسيطة تظهر أن البشرية بالكاد استهلكت 6.8%، 0.1% و 3.1% من النفط والغاز الطبيعي والفحم “الموجود أصلاً” على التوالي. بكلمات أخرى، يتبقى 93.2 % و 99.9% و 98.7% من النفط والغاز الطبيعي و الفحم. لذلك من الواضح للجميع بأن مخزونات الوقود الاحفوري هي غزيرة وستبقى لقرون. بالإضافة إلى ذلك، ستبقى المصدر الأساسي للطاقة مع ازدياد أهمية المخزون غير التقليدي.

لكن، لنكن واضحين! فمع توقع استمرار زيادة الطلب، فإنه لا جدال على أن مرحلة النفط الرخيص والسهل الاستخراج بشكل خاص أو الوقود الأحفوري الرخيص والسهل الاستخراج بشكل عام قد انتهت. إن أيام النفط الرخيص ستولي لا محالة، إن لم تكن قد ولت، وإن معظم مصادر الوقود الأحفوري تحتاج للمزيد من الاستثمار لاستخراجها، وبالتالي، فإن إنتاجها أصبح أكثر كلفةُ.

3.2 الأسطورة الثانية: لا تحسن التكنولوجيا من وفرة الوقود الاحفوري

تلعب التكنولوجيا دوراً أساسياً و متزايداً في زيادة حجم مخزون الوقود الاحفوري، حيث أنها تمكن قطاع الصناعة من استخراج المزيد من النفط والغاز من الحقول، وكذلك امكانية تعدين الفحم من الحقول البحرية. مع أن التكنولوجيا غير قادرة على تغيير جيولوجية ال المكمن إلا أنها تحسن عوامل الاستخراج. بالإضافة لذلك تقلل التكنولوجيا من التكاليف عندما يصبح استخدامها منتشراً مما يزيد حجم الاحتياطات المعلنة.

خلافاً لهجوم الدعاية الصارخة “بأن العالم لم يكتشف حقول وقود احفوري جديدة  وأن قطاع انتاج النفط يستنفذ ما هو موجود حالياً”، الحقيقة هي أن معظم الانتاج العالمي من الوقود الاحفوري يأتي من حقول ناضجة أصلاً، وأن التقدم التقني يزيد من عمر الحقول بشكل ملحوظ. لإيضاح ذلك، أشارت منظمة مهندسي النفط(SPE)  إلى أنه في حين أن 50-60% من النفط والغاز المنتج في الستينيات أتى من حقول جديدة، فان هذه الحصة انخفضت إلى 12-15% في عام 2009، وأنه من المتوقع أن تنخفض لتصل إلى 7-10% في المستقبل. لذلك فإن الدافع لإيجاد حقول جديدة ليس ملحاً.

لا يمكن الانكار أن التقدم التقني قد أدخل العديد من المصادر غير التقليدية إلى الساحة، مع ازدياد أهمية الصخر الزيتي كأحد الأمثلة. لم يعد السؤال المطروح الآن ” إذا” بل “متى” ستحسن التكنولوجيا توفر الوقود الاحفوري. إن انضمام الصخر الزيتي وهيدرات الغاز و تحويل الفحم الى غاز في مكانه ((coal in situ gasification لمزيج الطاقة المتوفرة أصبح مسألة وقت فقط.

3.3 الأسطورة الثالثة: يحتوي العالم العربي على ثلثي احتياطي النفط العالمي، وبالتالي، فانه لا يمكن للعالم الاستغناء عنه

من الواضح أن العالم العربي مازال طور الاستكشاف فيما يخص الوقود الاحفوري و بالتالي فإنه سيتم اكتشاف المزيد من المصادر خاصةً المصادر غير التقليدية في المستقبل. لكن، وبالرغم من ذلك، فإن حصة العالم العربي من الوقود الاحفوري هي أقل بكثير من ثلثي (67%) الاحتياطي العالمي، الأمر الذي يتم تناقله في الإعلام . إن الأرقام المبينة في الجدول رقم (2) تتحدث عن نفسها مبينة أن النسبة الإجمالية للوقود الاحفوري في العالم العربي هي جزء صغير من ذلك الرقم الذي يتم دفعنا لتصديقه، وتبلغ فقط 15.0 % و 7.9% من الاحتياطيات و الموارد المتبقية على التوالي. إن الصورة الحقيقية هي أن العالم العربي ليس هو القوة المهيمنة فعلاً. إن تأثيره على أسواق الطاقة مماثلٌ لروسيا أو الولايات المتحدة وبالتالي ليس كما تقترح الدعاية.

3.4 الأسطورة الرابعة: الاوبك وشركات النفط و الغاز الوطنية والعالمية تحدد سعر النفط

يتحدد سعر الوقود الاحفوري بعدة عوامل، أهمها ديناميكيات العرض والطلب السوقية الأساسية. بالإضافة لذلك تلعب عوامل عديدة دورا أساسياً في التأثير على السعر. تشمل هذه : عدم الاستقرار السياسي العالمي ، الاوضاع الداخلية في الدول المصدرة، و التي قد تؤدي إلى قطع التزويد بسبب عدم الاستقرار الداخلي، سياسة الحماية، والتأميم- كذلك عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي ومضاربو السوق ودعم اسعار الطاقة المحلية للحد من استياء العامة والكوارث الطبيعية والحوادث البيئية، الخ … يتبين من هذا أن تسعير الوقود الأحفوري عملية معقدة جدا ولا يمكن أن تتلاعب بها الشركات أو المحتكرون.

لايضاح تأثير أحد العوامل المذكورة أعلاه بالإضافة لعوامل السوق، من الملاحظ أن معظم احتياطيات النفط والغاز الطبيعي التقليديين موجودة في دول غير مستقرة سياسياً، حيث يلعب الوضع السياسي دوراً أساسياً في تحديد سعر النفط والغاز الطبيعي. يتغلب هذا العامل بشدة على عوامل السوق الأساسية. بعض الأمثلة لتوضيح هذا الدور السياسي في العقد الماضي تشمل: الصراع في العراق، عدم الاستقرار في نيجيريا، تأميم قطاع النفط والغاز في فنزويلا، تدخل الدولة في روسيا، وحالياً الثورات في الشرق الأوسط، إلخ.

حديثاً، إذا استمرت حالة ارتفاع اسعار النفط نسبيأ، فيمكن حدوث نتائج واضحة على القطاع النفطي، جاعلة المزيد من احتياطيات النفط مجدية للتطوير مما سيكون له تأثيرٌ عكسي على أسعار النفط على المدى البعيد.

3.5 الأسطورة الخامسة: تعتمد الولايات المتحدة على النفط العربي

من الخطأ القول أن الولايات المتحدة تعتمد على العالم العربي لتأمين احتياجاتها من النفط والغاز. في الواقع، تستورد الولايات المتحدة جزءاً صغيراً من نفطها من الدول العربية، وقد انخفض اعتمادها على الشرق الأوسط ككل منذ قيام الثورة الإيرانية، حيث أنها أوقفت استيراد النفط الإيراني.

من الصحيح القول أن الولايات المتحدة تعتمد على 60 % من النفط المستورد لسد حاجاتها النفطية. لكن اعتمادها أقل بكثير من ذلك حين يتعلق الأمر بالغاز الطبيعي. وهي في الواقع مصدر صاف للفحم. بالإضافة لذلك، فإن التوقعات المستقبلية  للاحتياجات تظهر أن اعتماد الولايات المتحدة على الوقود الاحفوري الأجنبي يتضاءل، بازدياد نسبة الوقود الآتي من مصادر محلية.

العديد من حلفاء الولايات المتحدة وخاصة في آسيا، يعتمدون بشكل كامل على النفط والغاز الطبيعي الشرق أوسطيين أو العربيين، وبالتالي فإن المشككين يرون أن رغبة الولايات المتحدة في السيطرة على مصادر الطاقة في الشرق الأوسط هي في الواقع حيلة لإبقاء قبضتها القوية بشكل غير مباشر على حلفائها، وللحفاظ على قيمة احتياطيات وقودها الاحفوري.

3.6 الأسطورة السادسة: الإكتفاء الذاتي للطاقة ممكن

لإيضاح المفاهيم أعلاه، لنفترض على سبيل المثال بأن الولايات المتحدة قادرة على تعدين مصادر الفحم لديها، أو استخراج النفط من الصخر الزيتي بتكاليف عالية و بتكاليف بيئية لا يمكن احتسابها. قد يكون من الأوفر لها في كثير من الحالات سد حاجاتها من الطاقة عن طريق الاستيراد، مضحية باستقلالها على مستوى الطاقة.

نحن نعيش في اقتصادٍ عالمي تشكل فيه التجارة أساس أسلوب الحياة. لذلك، إن رغبة الأمم في تحقيق استقلالية الطاقة تتعارض مع هذا الأسلوب الجديد في الحياة، أي أساسيات التجارة الحرة و التكامل العالمي. إن ضمان أمن موارد الطاقة وتقليل كلفة الطاقة عوضاً عن الحصول على الطاقة بأي ثمن، كما أن تقليل الآثار البيئية السلبية لانتاج واستهلاك الطاقة، هو أكثر ما يهم الحكومات الآن. و بالمحصلة، فإن تركيز معظم هذه الحكومات في هذه الأيام هو على اهمال الحديث عن استقلالية الطاقة والتركيز على تحقيق أمن مصادر الطاقة و تقوية التجارة والاستثمار العالمي في هذا القطاع، و تشجيع تنويع مصادر الطاقة وترشيد استهلاك الطاقة وزيادة كفاءتها.

3.7 الأسطورة السابعة: يمكن استبدال الطاقة الاحفورية بطاقة بديلة

يساهم الوقود الاحفوري في الوقت الحالي بما يزيد على 80% من موارد الطاقة العالمية. لن تستطيع الطاقة البديلة أن تحل محل الوقود الاحفوري في المدى القصير أو المتوسط. استنادا لوكالة الطاقة الدولية (IEA) فإن نسبة جميع أنواع الطاقة البديلة مجتمعة بالكاد ستتغير وستتمكن من توفير ما نسبته 20 % فقط من الطاقة العالمية بحلول عام 2030،) 10% وقود حيوي و 6% من الطاقة النووية و 2% من الطاقة المائية  و2% من مصادر متجددة أخرى(. لاشك أن الطاقة البديلة ستساهم بتقليل اعتماد العالم على الوقود الاحفوري ولكن، وبدون تغيير جذري في السياسيات والسلوكيات، سيبقى الهدف بتقليل الإعتماد على الوقود الاحفوري وهماً.

4 أسئلة للتفكير

بعد تفنيد سبع من الأساطير المنتشرة إعلامياً، من المناسب طرح بعض الأسئلة كي يتمكن القارئ من التفكير فيما قرأ  ويحاول إيجاد اجاباته الخاصة. والأسئلة المطروحة هي:

  • ما سبب هوس العالم بالعالم العربي عامةً والنفط العربي خاصةً؟
  • لماذا يتم الحفاظ على الأنظمة العربية الفاسدة وغير الشعبية في السلطة؟
  • لماذا تم اجتياح العراق ؟
  • من المستفيد من أسعار الوقود الاحفوري المرتفعة؟ هل هم المنتجون الحاليون أم الدول ذات المخزون غير التقليدي؟
  • لماذا يتم الترويج للطاقات البديلة الغالية الكلفة بدل الترويج لفكرة كفاءة الطاقة و توفيرها عبر التشريعات؟
  • من المستفيد من إخفاء الحقائق و الترويج لأساطير وخرافات؟
  • ما هي الأجندة الخفية؟

لن يتم الإجابة على هذه الأسئلة بصراحة ههنا، لكنني سأقدم إشارة لإرشاد القارئ، والكلمة هي “السياسة”.


لقراءة المقال يرجى تحميل الملفpdf_icon لماذا يشترون نفطنا
To read the article please download the pdf file above

Leave a comment